كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وسيأتي عند الكلام على تفسير الآية ما يراه العلماء في معنى الآية، وإنما نذكر هنا أن الآية سيقت لبيان آداب الناس في بيت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، والآية بعد هذا اشتملت على أحكام دخول البيت، وعلى حجاب النساء، ومنع المؤمنين من مخالطتهن، ولو من طريق المسألة إلا من وراء حجاب.
وقد ذكر العلماء أسبابا كثيرة يرجع بعضها إلى مسألة دخول البيت، ويرجع بعضها الآخر إلى مسألة حجاب نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
ونرى أن لا مانع من أن يكون كلّ ما روي بعد أن يكون صحيحا سببا للنزول، وقد علمت مرارا أنّ الآية نزلت على أسباب كثيرة.
روى البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فدخل بأهله، فصنعت أمّ سليم حيسا، فجعلته في تور، وقالت لي: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقل: بعثت إليك بها أمي وهي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا لك منا قليل يا رسول اللّه. قال: فذهبت بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت: إنّ أمي تقرئك السلام، وتقول: إنّ هذا منا لك قليل يا رسول اللّه. فقال: «ضعه»، ثم قال: «اذهب فادع لي فلانا وفلانا، ومن لقيت» فسمّى رجالا. قال: فدعوت من سمّى ومن لقيت، قال: قلت لأنس: عددكم كما كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، قال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أنس هات التّور» قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفّة والحجرة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليتحلّق عشرة عشرة، وليأكل كلّ إنسان مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم قال: قال لي: يا أنس ارفع، قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت! قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ورسول اللّه جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسلّم على نسائه، ثم رجع. فلما رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد رجع ظنّوا أنّهم قد ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أرخى الستر، ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأهن على الناس: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظرينَ إناهُ} إلى آخر الآية (53)، قال أنس: أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات، وحجبن نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
ورويت روايات كثيرة قال فيها أبو بكر بن العربي: إنها ضعيفة كلّها ما عدا الذي ذكرنا، وما عدا الذي روي أنّ عمر قال: قلت يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. وما دامت الروايات لم تصح فلنعرض عن ذكرها.
وهناك رواية أخرى في الصحيح أيضا تعيّن الزوجة، وذلك على نحو ما روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس قال: لما تزوّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام. فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فجئت فأخبرت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل اللّه تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ}.
ولعلّك بعد الذي قدّمنا في غير حاجة إلى إعادة القول في إضافة البيوت مجموعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فهي بيوته، اختصّ بها، وأعدها لسكنى أزواجه المتعددات، وقد نهى اللّه المؤمنين أن يدخلوا هذه البيوت إلا دخولا مصحوبا بالإذن، والاستثناء في قوله تعالى: {إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن لكم، وتكون باء المصاحبة مقدرة في الكلام.
وذهب بعضهم إلى أن الباء المقدّرة باء السببية، والاستثناء من عموم الأسباب.
وذهب الزمخشري إلى عدم تقدير الباء، وإلى أن الاستثناء من عموم الأوقات، أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت الإذن، وهذا متوقف على صحة وقوع المصدر المؤول مع الظرف. ويرى أبو حيان أنّ وقوع المصدر موقع الظرف خاصّ بالصريح دون المؤول، والمسألة خلافية من خلافيات النحاة، والأشهر أنه لا يجوز.
وقوله تعالى: {إلى طَعامٍ} متعلّق بيؤذن، وكان الظاهر أن يعدّى بفي بدل إلى إلّا أنّ الفعل يُؤْذَنَ ضمّن معنى الدعوة، فعدّي بما يتعدى به فعلها، وتضمينه معنى الدعوة للإيذان بأنه لا ينبغي الدخول للطعام إلا بدعوة إليه، وإن وجد صريح الإذن بالدخول، ويرى البعض أنّ إلى طَعامٍ تنازعه تدخلوا ويؤذن.
{غَيْرَ ناظرينَ إناهُ} إناه مصدر مضاف إلى الضمير، نقول: أنى الطعام يأنى إذا نضج إنى، أي نضجا.
ويرى بعضهم أنّه ظرف بمعنى حين، وهو مقلوب آن، فجاءت النون قبل الألف، وغيرت فتحة الهمزة كسرة، والمعنى على الأول: غير منتظرين نضجه، وعلى الثاني غير منتظرين وقته، أي وقت إدراكه ونضجه، وهما متقاربان.
ثم إن {غير} منصوب على الحالية، وهي حال مترادفة، أي لا تدخلوا في حال من الأحوال، إلا حال الإذن لكم، غير منتظرين النضج أو وقته، وصاحب الحال على هذا هو واو الجماعة في {لا تَدْخُلُوا}.
ويرى بعضهم أنه حال من فاعل فعل محذوف، أي ادخلوها غير ناظرين إناه.
وجوّز بعضهم أن يكون حالا من الضمير المجرور في لَكُمْ، ويكون المعنى: لا تدخلوا إلا حال الإذن، حال كونكم غير ناظرين. ويكون هذا إشارة إلى أنّ الإذن ينبغي أن يكون لمن كانت عادته لمن يسبق وقت الطعام، فإنّ ذلك يكون إثقالا على من في البيت.
ويرى البعض أنّ قوله: {غَيْرَ ناظرينَ إناهُ} حال من الواو في تَدْخُلُوا ويكون المعنى: نهيهم عن الدخول في هذه الحال، وهي حال عدم انتظار الطعام. وهم يروون في ذلك أنّ بعض أصحاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يدخل في وقت الطعام من غير سابق دعوة، وكانوا يسمّون الثقلاء من أجل ذلك، وبعد تسليم ما رووا فكيف تفيد الآية النهي عن الذي كان منهم؟ لعلهم يقولون: إنّ المعنى: لا تدخلوا حال كونكم غير منتظرين وقت الطعام، إلّا أن يؤذن لكم. ويكون المراد نهيهم أن يدخلوا على الفجاءة، وأما إذا جاؤوا ومكثوا انتظارا للطعام، فلا يكون ذلك منهيا عنه وهم بهذا يدفعون ثقيلا بأثقل منه، إذ إنهم يجوز لهم حينئذ أن يدخلوا البيت، ويمكثوا ما طاب لهم المكث حتى يجيء الطعام، ويهيّأ لهم.
{وَلكنْ إذا دُعيتُمْ فَادْخُلُوا} هذا استدراك على ما فهم من النهي عن الدخول بغير إذن، وهو مشعر بأنّ الإذن متضمّن معنى الدعوة، وهو بعد هذا تصريح بما علم قبل.
{فَإذا طَعمْتُمْ فَانْتَشرُوا} أمر بالتفرّق بعد الفراغ من الطعام، بعدية يرجع في تحديدها إلى ما يجري به العرف.
وأنت بعد الذي اطلعت عليه من سبب نزول ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد ثقل عليه أن يمكث هؤلاء الأضياف بعد أن فرغوا من الطعام، ولم يدعوه يتفرّغ لبعض شأنه في بيته، وكان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالتفرّق.
{وَلا مُسْتَأْنسينَ لحَديثٍ} الاستئناس للحديث طلب الأنس به، والطمأنينة والسرور والارتياح له، وقد أطلق نفي الاستئناس للحديث من غير بيان صاحب الحديث، للإشارة إلى أنّ المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق، أيا كان الاستئناس، سواء كان لحديث بعضهم بعضا، أو لحديث غيرهم، فإنّ الأمر كان أمر وليمة، وقد انتهت، ولم يبق إلا أن يفرغ من البيت لبعض شأنهم، والبقاء بعد ذلك نوع من الثقل غير محمود.
ويرى بعض المفسرين أنّ قوله تعالى: {مُسْتَأْنسينَ لحَديثٍ} معطوف بالجر على {ناظرين} وتكون لا لتأكيد النفي، ويجوز أن تكون لا بمعنى {غير} معطوفة على {غير ناظرين}.
ويرى البعض أنّ {مستأنسين} حال من فاعل فعل محذوف دلّ عليه الكلام، أي ولا تمكثوا مستأنسين لحديث، واللام في قوله: {لحديث} إما تعليلية داخلة على محذوف، أي لأجل استماع الحديث، أو هي للتقوية.
{إنَّ ذلكُمْ كانَ يُؤْذي النَّبيَّ فَيَسْتَحْيي منْكُمْ} هذا بمثابة التعليل لما قبله، أي إنما نهيتم عن دخول بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا في الحدود المبينة، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتأذّى من الدخول على غير هذه الحدود وإيذاء النبي لا يصح أن يكون من المؤمنين، من أجل ذلك بيّنا لكم الحدود، ورسمنا الطرق، حتى لا يلحقه أذى، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضجرا على ما عرفت من أسباب النزول. من بقاء من بقي عنده بعد انتهاء الطعام، بل لقد همّ بالقيام لينتبهوا فيقوموا فأقاموا، ولقد كان يمنعه الحياء أن يأمرهم بالانصراف.
وقد كان من عادات العرب ألّا يطلبوا إلى الضيف الانصراف بعد القرى مهما طال المكث، وكان الناس من أجل ذلك في حاجة لأن يتعلموا آداب المنازل، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الحياء، فنزل القرآن إرشادا لهم وتعليما.
واسم الإشارة على ما ترى راجع إلى ما يكون منهم من الدخول على غير الوجوه المبيّنة، وقيل: بل هو راجع إلى مفهوم من الكلام، وهو المكث قصد الاستئناس للحديث، أو راجع إلى الاستئناس المفهوم من مستأنسين.
والاستحياء على الحقيقة لا يكون منهم، وإنما يكون من شيء يتصل بهم، ويلحقهم من جهته، وهو إخراجهم أو منعهم من البقاء والمكث، وإلا فالذات لا يستحيا منها، إنما يكون الاستحياء من الأفعال.
انظر إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيي منَ الْحَقّ} فإنّه يدل على أنّ الذي كان يستحي منه النبي هو الحق، وهل يتصف بالحقيقة إلا الأفعال؟ ولو كان المراد الاستحياء من ذواتهم لقال تعالى في مقابله واللّه لا يستحي منكم.
وأطلق استحياء اللّه من الحق وأريد منه عدم السكوت عن بيانه، فسمّى السكوت عليه استحياء على طريق المشاكلة، لوقوعه بجانب استحياء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من إخراجهم.
ويفيد ظاهر الآية منع مكث المدعو إلى الطعام بعد تناول الطعام إذا كان ذلك مؤذيا لصاحب البيت، وإذا كانت الآية التي معنا خاصة بآداب دخول بيت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقد تكفّلت سورة النور ببيان آداب دخول المنازل على الإطلاق في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنسُوا وَتُسَلّمُوا عَلى أَهْلها ذلكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)} [النور: 27] وفي غيرها من الآيات، فارجع إليها إن شئت.
{وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ منْ وَراء حجابٍ ذلكُمْ أَطْهَرُ لقُلُوبكُمْ وَقُلُوبهنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه وَلا أَنْ تَنْكحُوا أَزْواجَهُ منْ بَعْده أَبَدًا إنَّ ذلكُمْ كانَ عنْدَ اللَّه عَظيمًا}.
لا يزال الكلام كما ترى متصلا في ذكر آداب الدنو من بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ترى ذلك ماثلا في ضمير النساء في قوله تعالى: {سَأَلْتُمُوهُنَّ} فهو راجع إلى نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد فهم اشتمال الكلام عليهن من النهي عن دخول البيوت، وعن إطابة المكث تلذذا بالحديث، وعن الأمر بالدخول إن كانت هناك دعوة، والانتشار عقب الطعام، ومن أن مخالفة ذلك تؤذي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما كان ليتأذّى لولا وجود النساء في البيوت، فإرجاع الضمير إلى مفهوم من الكلام السابق مؤذن بأنّه متصل بالكلام السابق، متمّم له في ذكر آداب البيوت، واقع على ما وقع عليه من سبب، فهو في غير حاجة إلى ربط جديد، ولا إلى سبب خاصّ يقع عليه، وأنه ليكفي أن يوجد شأن من الشؤون يتصل بالبيوت، لنذكر كل الأحكام التي تكفل حياطة البيوت من الأذى.
ويرى بعض المفسرين تنزيل هذه الآية على سبب خاص روي هنا من طريق صحيح، ويعدون الآية إحدى موافقات القرآن لعمر رضي اللّه عنه، وذلك على نحو ما قدمنا مما روى البخاري وغيره عن أنس رضي اللّه عنه أنه قال: يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ والفاجر، ولو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللّه آية الحجاب.
وليس هناك ما يمنع أن يكون ذلك أحد الأسباب التي نزلت من أجلها الآيات في شأن بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويكون قد جاء في بعضها أو كلها ما يوافق رأي عمر، وحرصه على كرامة نساء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فتكون الأسباب قد تجمّعت فنزلت الآيات متصلا بعضها ببعض في صيانة بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحرمة أزواجه.
والمتاع ما يستمتع به حسيا كالماعون، أو معنويا كتعرّف الأحكام، والحجاب:
الساتر، وتكليف الرجال سؤال النساء المتاع من وراء حجاب مؤذن بتكليف من في البيوت ضرب الحجاب، لأنّه من غير المعقول أن يكون ضرب الحجاب على غير أصحاب البيوت.
{ذلكُمْ أَطْهَرُ لقُلُوبكُمْ وَقُلُوبهنَّ} الإشارة راجعة إلى السؤال من وراء حجاب، أو إلى كلّ ما تقدم من الأحكام، ومعنى كونه أطهر أنّه أكثر تنزيها لقلوب الرجال والنساء من الهواجس التي تتولّد فيها عند اختلاط الرجال بالنساء، فإنّ الرؤية بريد الفتنة.
هكذا كفل القرآن بيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه الأحكام، وأبعد عنها الريبة. واجتث أصول المخاوف والفتنة، فالآيات كما ترى خاصّة بآداب الاتصال ببيوت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة بلفظها، وبتوجيه الخطاب فيها، وبأسباب نزولها، وبما ذكر فيها من علة.
وأما بيوت المؤمنين فقد تكفلت بآدابها سورة النور كما قلنا لك وآية {يا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْواجكَ وَبَناتكَ وَنساء الْمُؤْمنينَ يُدْنينَ عَلَيْهنَّ منْ جَلَابيبهنَّ} الآية في سورة الأحزاب وستعرف فيها آراء العلماء في الحجاب.
{وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه وَلا أَنْ تَنْكحُوا أَزْواجَهُ منْ بَعْده أَبَدًا} والمعنى: أنّه لا يكون من شأن المؤمنين أن تقع منهم أذية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أيا كان نوعها، سواء أكانت من النوع الذي ذكر في الآية مما يتصل بالبيوت، أم من غيرها، وهذا التعميم يرشد إليه إطلاق الفعل: {تُؤْذُوا} عن التقييد بكونه في البيوت، أو في غيرها، فدلّ ذلك على أنّ شأن المؤمنين ألا يكون منهم للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا ما يكون إكراما وشكرا على ما أسدى إلى الأمة من خير، فلا معنى لتقييد الأذى هنا بنوع منه، كاللبث في بيوته صلّى اللّه عليه وسلّم، والاستئناس للحديث فيها، وكون الآية وردت في هذا السياق لا يقتضي تقييدها به، بل يقتضي دخولها في العموم الذي دلّت عليه الآية.
وذكر النبي بوصف الرسالة هنا مشعر بتوبيخ من تحدّثهم نفوسهم بأذيته، إذ ذلك يكون كفرانا بنعمة الرسالة الواجب شكرانها.
{وَلا أَنْ تَنْكحُوا أَزْواجَهُ منْ بَعْده} ذكر هذا بعد النهي عن الأذى بصيغة الخبر من قبيل ذكر الخاص بعد العام، للاهتمام به، فإنّ امتهان فراش الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أكبر الأذى.
وقد عرض المفسرون هنا للكلام في المراد من الأزواج، وقد سبق لك عند الكلام على آية التخيير شيء من هذا.
فقد ذهب بعضهم إلى أنّ الأزواج اللائي لا ينكحن هن من ثبت لهن هذا الوصف، ولو من طريق العقد من غير أن يدخل بها. وإطلاق الأزواج هنا ظاهر في هذا.